This content is currently only available in Arabic, press here to view Arabic Language content
شهدت العقود الماضية تراجعاً في المشاركة السياسية من خلال الأحزاب، وتحولات في أشكال تنظيم المجتمع المدني. وقد تجلى هذا التغيير في أرجاء العالم، بما في ذلك في فلسطين. تركز الأدبيات التي تعنى بهذا الحقل على مفاهيم المشاركة المدنية (civic participation)، ومصطلحات مماثلة، مثل المجتمع المدني، والانخراط المدني (civic engagement). وتكمن أهمية دراسة هذا الحقل في العلاقة العضوية التي تُلاحظ بين المشاركة المدنية والديمقراطية الصحيّة. فعلى الصعيد العالمي، نلحظ تراجعاً مزدوجاً لكل من المشاركة المدنية والمؤسسات الديمقراطية.
تُعنى مفاهيم المشاركة المدنية والانخراط المدني بالأحزاب السياسية، والنقابات، والجمعيات التطوعية، وجميعها تشهد تراجعاً ملحوظاً في العضوية وعدد المنتسبين. وتُعتبر العلاقة بين الديمقراطية والمشاركة المدنية علاقة مباشرة، إذ تُعدّ المشاركة المدنية مركزية ليس فقط للديمقراطيات الصحيّة، بل أيضاً للروابط الاجتماعية والعلاقات المجتمعية السليمة.
لاحظ كثير من الباحثين هذا التراجع، وساهموا في دراسة ظاهرة المشاركة المدنية. يُرجع البعض أسباب هذا التراجع إلى ازدياد استهلاك البرامج المتلفزة، والتمدن المتوسع، وضغوطات الوقت والمال، والتغيرات المرتبطة بالفجوات بين الأجيال. فيما يرى آخرون أن التصنيع، والتحضّر، وتركيز السلطة بيد الدولة هي من الأسباب التي تؤدي إلى العزلة والاغتراب الفردي بفعل مركزية الدولة غير المنضبطة . وهناك من يرى في صعود جماعات المناصرة المدفوعة والتي تُدار بطريقة مهنية وشكلت بديلاً عن المنظمات القاعدية القائمة على العضوية سبباً رئيسياً لتراجع المشاركة الحزبية، وذلك في بيئة تطغى عليها "الثقافة المدنية من الأعلى إلى الأسفل"، والتي يهيمن عليها رجال الأعمال والنخب المهنية . وأخيراً، يرى البعض أن النمط الاستهلاكي ووسائل الإعلام الجماهيرية تقف وراء هذا التراجع . وعلى الرغم من تباين ما تستنتجه هذه الدراسات، إلا أنها تتقاطع في الإشارة إلى تزايد الاغتراب نتيجة التحولات في أشكال التنظيم ضمن إطار أوسع من السلطة البنيوية.
المصطلحات المستخدمة في الحقل عديدة. ففي فلسطين، يسود استخدام مفهوم "المجتمع المدني" وامتداداته ذات العلاقة، والتي تشمل "منظمات المجتمع المدني" (CSOs)، و"المنظمات المجتمعية القاعدية" (CBOs)، و"المنظمات غير الحكومية" (NGOs)، وظاهرة "الأنجزة" (NGOisation) – في إشارة إلى استئثار نمط تنظيم معين على مبادرات النشاط المدني. ويلاحظ ميل الأدبيات في أميركا الشمالية إلى مصطلحات "المشاركة المدنية" و"الانخراط المدني". في هذه الدراسة، نستخدم المصطلحين بالتبادل في البداية، بسبب التقاطع في وظيفتهما الأساسية المتمثلة في وصف الفضاء الذي تستخدمه الجمعيات والنقابات فيما يُعرف بـ"التوسّط بين الدولة والشعب".
وبغضّ النظر عن الفروقات الدلالية، فإن هذا البحث يستند إلى ملاحظة وجود تراجع في عضوية الأحزاب السياسية والجمعيات التطوعية وفي أنشطتها في فلسطين، وإلى أن هذا التراجع جزء من ظاهرة عالمية أوسع. ومن هنا، يهدف هذا المقترح إلى البحث عن سبل العمل المنظم الهادف إلى التغيير المجتمعي، وعن الشكل الممكن لتنظيم الفاعلين على إحداث هذا التغيير. لذا، فإننا نعرّف فاعلي التغيير المجتمعي بوصفهم موضوع البحث الأساسي.
لهذا الغرض تم توسيع المصطلحات وتكييف التعريفات بغرض استخدامها الإجرائي، حتى لا تهيمن المصطلحات أو المناهج أو الأطر النظرية على حقل البحث. بل إننا نُطوّر منهجية مخصصة ونسائل المصطلحات، مع إعطاء الأولوية للفهم بدلاً من إخضاع البحث للبراديغمات التي ربما كانت جزءً من أسباب انحسار عملية التغيير المجتمعي من الأسفل في العقود الأخيرة.
المقترح هنا هو إعطاء الأولوية للفهم وليس للتأطير، وصولاً إلى تعريف البنى السياسية-الاقتصادية العالمية التي تشكّل سياقاً للظروف المحلية. ومن هناك، سنبحث في كيفية دراسة أشكال التنظيم الاجتماعي - السياسي، من حيث الشكل، والوظيفة، والبنية، والتقنيات، والتشكيلات النطاقية. وأخيراً، الوقوف على منهجية مناسبة لدراسة سمات فاعلي التغيير المجتمعي في فلسطين، وسبل فعلهم، وأشكال تنظيمهم الممكنة.
