عقد معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان، يوم الإثنين 22 كانون الأول 2025، لقاءً تشاورياً لمناقشة مسودة ورقة السياسات بعنوان: "تعذيب إسرائيل وإساءة معاملتها للسجناء الفلسطينيين والتزامات الدول الثالثة بموجب القانون الدولي"، وذلك بمشاركة مجموعة من الأكاديميين والطلبة.
قدمت ورقة السياسات الباحثة مها عبد الله من جامعة أنتويرب، وهي نتاج جهد بحثي أعده أربعة من طلبة من العيادة القانونية في جامعة أنتويرب بإشرافها. وتهدف الورقة إلى تحليل الإطار القانوني الدولي المنطبق على سياسات التعذيب وسوء المعاملة، وتحديد الالتزامات القانونية الواقعة على عاتق الدول الثالثة، مع تركيز خاص على مسؤوليات مملكة بلجيكا بوصفها دولة طرفاً في عدد من الاتفاقيات الدولية الأساسية.
وبينت عبد الله أن التحليل في الورقة يستند إلى قواعد القانون الدولي، ولا سيما اتفاقيات جنيف، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية، واتفاقية مناهضة الفصل العنصري، مؤكدة أن الإشكالية لا تكمن في نقص القواعد القانونية، بل في غياب الإرادة السياسية وعدم تفعيل الدول لالتزاماتها القضائية والتنفيذية. كما أوضحت أن انتهاك القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، وعلى رأسها حظر التعذيب والإبادة الجماعية، يترتب عليه التزامات تقع على عاتق جميع الدول (erga omnes)، بما في ذلك واجب عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني، وعدم تقديم أي دعم مباشر أو غير مباشر من شأنه الإسهام في استمراره، إضافة إلى واجب التحرك القانوني والدبلوماسي والقضائي.
وخلال العرض، أشارت عبد الله إلى أنماط الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية، بما في ذلك استخدام أساليب تعذيب جسدية ونفسية، وسوء معاملة ممنهج، وسياسات إهمال طبي تصل في كثير من الحالات إلى الحرمان الكلي والمتعمد من العلاج. كما جرى إبراز خصوصية أوضاع معتقلي قطاع غزة في ظل القيود الشديدة المفروضة على الوصول والتوثيق، وما يخلقه ذلك من تحديات قانونية ومعرفية.
وتلا العرض عدة مداخلات نقدية من الحضور، أشارت إلى حدود الخطاب القانوني والحقوقي في ظل غياب الإرادة السياسية، وأهمية ربط ورقة السياسات هذه بأفق سياسي وحراكي أوسع، وعدم اختزال الاشتباك في المسار القانوني وحده. كما جرى التأكيد على أن السجون تمثل حيزاً مصغراً لتطبيق سياسات الإبادة والعقاب الجماعي، وأن قضية الأسرى لا يمكن فصلها عن مجمل البنية الاستعمارية القائمة.
وتوقف النقاش مطولاً عند السياق الاستعماري الذي تُمارس ضمنه هذه الانتهاكات، حيث جرى التأكيد على أن منظومة الأسر والاعتقال لا تمثل حالة استثنائية، بل تشكّل أركان النظام الاستعماري الاستيطاني ونظام الفصل العنصري في فلسطين، والذي يُخضع أكثر من تسعة آلاف أسير لنظام قانوني يجرم الفلسطينيين بوصفهم جماعة، ويؤسس لإفلات ممنهج من العقاب يسمح باستمرار التعذيب وسوء المعاملة دون محاسبة.
كما تمت الإشارة إلى دور المؤسسات القضائية الإسرائيلية وتواطؤها، بما في ذلك النيابة العامة والمحاكم، في إضفاء غطاء قانوني على هذه الممارسات، سواء عبر الامتناع عن التحقيق الجدي أو تبرير الانتهاكات أو رفض الشكاوى، وجرى التأكيد على أن هذا التواطؤ هو جزء من بنية قانونية مصممة لاستدامة الانتهاكات وليس مجرد خلل عرضي.
وفي ختام النقاش، شدد المشاركون على أن الهدف من ورقة السياسات ليس مأسسة وتوثيق الانتهاكات بحد ذاتها، بل الإسهام في تفكيك المنظومة الاستعمارية التي تنتج هذه الانتهاكات وتعيد إنتاجها، مع التأكيد على أن التوثيق أداة تكتيكية ضمن استراتيجية تحررية أشمل.

