عقد معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان- في حرم جامعة بيرزيت، يوم الإثنين 15 حزيران 2026، لقاءً تشاورياً لمناقشة مسودة ورقة سياسات بعنوان "التدمير المُمنهج لشروط الحياة: الإنسان والطبيعة في النظام العالمي" وذلك بمشاركة مجموعة من الأكاديميين والباحثين والطلبة والمهتمين بالشأن البيئي والسياسي.
وعرضت سلام بطمة، وهي مساعدة بحث وطالبة ماجستير في معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان، مسودة الورقة، التي سعت إلى إعادة طرح الإشكالية البيئية العالمية من زاوية نقدية، تتجاوز المقاربات التقنية والإحصائية السائدة، نحو فهم أعمق للعلاقة البنيوية بين التدهور البيئي وأشكال العنف السياسي والاقتصادي المعاصر. وتقوم الورقة على تساؤل مركزي حول ما إذا كانت الأزمة البيئية الراهنة مجرد خلل في إدارة الموارد، أم أنها تعكس مساراً أوسع لإعادة تشكيل شروط الحياة الإنسانية والطبيعية بصورة مُمنهجة ومتصلة.
وبيّنت الورقة أن الخطابات البيئية التقليدية غالباً ما تختزل الأزمة في مؤشرات كمية مثل انبعاثات الكربون أو معدلات فقدان الغابات وارتفاع درجات الحرارة، إلا أن هذا الاختزال، بحسب الورقة، يُخفي أبعاداً تتصل بعلاقات القوة والهيمنة في النظام العالمي، إذ لا يمكن فصل التدهور البيئي عن ديناميات اقتصادية وسياسية تعيد إنتاج عدم المساواة والهشاشة على نطاق واسع.
وأشارت إلى أن الموارد الطبيعية، من أنهار وغابات وأراضٍ، لم تعد تُدار فقط باعتبارها موارد بيئية أو اقتصادية، بل جرى إعادة تشكيلها ضمن منطق "الفضاءات الاستخراجية"، بما يؤدي إلى إعادة تنظيم العلاقة بين الإنسان وبيئته، ودفع المجتمعات المحلية نحو الهامش، وتقييد قدرتها على الاستمرار والاستقرار.
وانطلقت الورقة من نقد للمقاربات التي تتعامل مع الأزمة البيئية كأزمة متعددة الأبعاد منفصلة، لتطرح عوضاً من ذلك فهمها كأزمة واحدة متشابكة تتجلى في صورة عنف ممنهج، يعيد إنتاج نفسه عبر تلازم تدمير البيئة وتهميش الإنسان. ومن هذا المنطلق، طرحت الورقة سؤالاً مركزياً حول الكيفية التي يعيد بها النظام العالمي تشكيل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، بما يخدم آليات السيطرة وإعادة إنتاج الهشاشة وعدم المساواة.
وخلال النقاش، قدّم المشاركون مداخلات اقترحت توسيع الإطار التحليلي للورقة وربطه بالبنى السياسية والاقتصادية العالمية والمحلية على وجه الخصوص. كما تم التأكيد على ضرورة تطوير أدوات تحليلية أكثر قدرة على تفكيك العلاقة بين العنف البيئي والعنف الاجتماعي بوصفهما جزءاً من بنية واحدة مترابطة.
وتوقف النقاش عند التفكير في ضرورة تقديم توصيات سياساتية محلية وعالمية متداخلة الحقول، حيث أشير إلى أن التدهور البيئي لا يمكن فصله عن إعادة إنتاج علاقات القوة على المستوى العالمي، وأن ما يُعرف بالحوكمة البيئية الدولية غالباً ما يعكس اختلالات عميقة في توزيع الموارد والسلطة، بما يكرّس أنماطاً غير متكافئة من التنمية والتأثير. وتمت الإشارة أيضاً إلى خصوصية الحالة الفلسطينية، وضرورة التوسع في دراستها بشكل أعمق ضمن إطار تحليل الأزمة البيئية، بما يشمل الضفة الغربية وعدم قصر الأمثلة على قطاع غزة بصفتها أزمات مرتبطة بالسياق الاستعماري وما يفرضه من قيود على شروط الحياة وإنتاج المعرفة في هذا المجال.
وفي ختام اللقاء، شدد المشاركون على أن الورقة نوعية ومهمة خاصة لكونها لا تكتفي بوصف الأزمة البيئية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تأطيرها ضمن رؤية نقدية تعتبر أن الإنسان والطبيعة يشكلان نسيجاً واحداً مترابطاً. كما أكدوا أن حماية البيئة عليها ألا تنفصل عن العدالة والكرامة الإنسانية، وأن مواجهة الأزمة البيئية تتطلب الانتقال من الحلول التقنية الضيقة إلى مقاربات أكثر شمولاً وعدالة، تعيد التفكير في شروط الحياة ذاتها على المستوى العالمي. كما أوصى المشاركون بضرورة استكمال النقاش البحثي حول هذه الإشكاليات، والعمل عل تطوير أوراق أكاديمية وسياساتية إضافية تتناول البيئة في السياق المحلي الفلسطيني بصورة أكثر تفصيلاً وعمقاً، في ظل شح الاهتمام الأكاديمي والمؤسساتي بهذا الحقل، والذي يُعزى جزئياً إلى تأثيرات الوضع الاستعماري وانعكاساته على الإنتاج المعرفي.
15 حزيران/يونيو 2026
المرفقات:

